إخوان الصفاء

114

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وقعت في راحة وسرور ولذّة مثل ما رأت نفس ابن الملك في منامه من اللذة والفرح والسرور مع ما كان جسده فيه من البلوى وسوء الحال ، إذ قد تبيّن أن اللذّة ليست شيئا سوى الخروج من الآلام ، كما بيّنا في رسالة الحاسّ والمحسوس . وأما رؤيا ذلك الرجل المترف التائب فمما لا شكّ فيه أنها كانت إلهاما من الملائكة ، بإذن اللّه تعالى ، لما كان فيها من الموعظة والدلالة على طريق الآخرة ، والرّشد في الدين لما صار إليه هو من التوبة والصلاح والخير واتّعاظ الناس حتى صار قدوة لأهل الدين وطلّاب الآخرة في زمانه . وأما الرؤيا التي تكون من وسواس الشياطين فهي مثل ما يرى الراغبون في حطام الدنيا من محاسن مرغوباتهم ومشتهياتهم ، فيزدادون رغبة فيها وشهوة ، ومثل ما يرى الحسّاد من محاسن محسودهم ، فيزدادون حسدا ، ومثل ما يرى المتعادون من أسباب العداوات ، فيزدادون عداوة ، ومثل ما يرى أصحاب الشهوات مشتهياتهم فيزدادون في الدنيا حسدا وحرصا وعداوة وشرها وما شاكل هذا ، فهو وسواس الشياطين الغائصين في طلب اللذات . فصل وذكروا أن رجلا من المنهمكين في الشهوات وطلب اللذات كان أكولا شرّيبا شبقا ، فمن كثرة ما كان يأكل ويشرب ويجامع حرقت معدته ، وضعفت قوته الهاضمة ، واسترخت آلته من كثرة الجماع ، وكان ممكنا من شهواته ، ولكن آلات الجسد وأدوات الفعل لم تكن تواتيه ، ولا قوة النفس الشهوانية تطاوعه في ترك الطلب ، لأن الشهوات صارت عادة لها لكثرة الدّربة فيه ، وجبلة مركوزة فيها ، فجعل ذلك الرجل يطلب الحيلة والدواء مما يقوّي القوّة الهاضمة في معدته ، وينعظ آلته للباه لشدّة شهوته ، وكان مما يداوي ويحتال في إنعاظ آلته أن أمر حتى صوّر له في بيت الخلوة على الحيطان والسقوف